شجرة التين : فن العناية وأسرار الخضرة الدائمة
شجرة التين ليست مجرد نبات، بل هي رمز للخصوبة والغنى في العديد من الثقافات. تعتبر هذه الشجرة الرائعة بفضل ثمارها الشهية وأوراقها الخضراء دائمة الخضرة، واحدة من أكثر الأشجار المحبوبة في الحدائق والمزارع. لكن العناية بشجرة التين تتطلب معرفة دقيقة وفنًا خاصًا لضمان نموها السليم وإنتاجها المثمر.
في هذا المقال، سنستكشف أسرار العناية بشجرة التين، بدءًا من اختيار الموقع المناسب وحتى تقنيات الري والتسميد، لنكشف كيف يمكن للمزارعين والهواة الحفاظ على خضرتها الدائمة وتحقيق أكبر استفادة من ثمارها. دعونا نغوص في عالم شجرة التين، ونكتشف الفنون التي تجعل منها كنزًا حقيقيًا في أي حديقة.
جدول محتويات
التين، ثمرة الحضارات القديمة ورمز الخصوبة والوفرة، ليس فقط مذاقه الفريد الذي يجذب عشاق الفاكهة، بل أيضًا فوائده الصحية العديدة. لكن، للحصول على أفضل الثمار، يجب أن نتقن فن العناية بهذه الشجرة العريقة.
تسمية التين
ترتبط الأسماء المستخدمة للدلالة على التين ارتباطًا وثيقًا بموطنه الأصلي وتوزيعه. فكلمة “Ficus” اللاتينية تشبه كلمة “فج” بالعربية أو “Pag” بالعبرية، والتي تعني ثمرة التين غير الناضجة. من المحتمل أن الكلمة اللاتينية “fico” اشتُقّت من هذه الكلمة، وكذلك الكلمة العبرية “pag”، والبرتغالية “figo”، والإسبانية “higo”، والفرنسية “figue”، والألمانية “feigen”، والكلمة الإنجليزية القديمة “figge” (التي اختُزلت لاحقًا إلى “fig”). تشير جميع هذه الأسماء إلى شجرة التين.
في اليونان، كان يطلق على التين الصالح للأكل اسم “sykon”، ومن هذه الصيغة اشتُقّ مصطلح “syconium”، وهو الاسم النباتي العلمي لثمرة التين. أما في العربية، فكان يُطلق عليه اسم “تين”، وفي العبرية “teena”، وفي الآرامية “tena”، وفي الفنيقية “paggim”، وفي الفارسية “anjir”.
في إيطاليا، أطلق على التين البري اسم “caprificus”، وهو مشتق من كلمتي “capra” التي تعني الماعز و”ficus” التي تعني التين، مما يشير إلى قيمة الثمرة. كما تشير الكلمة العبرية “teena” إلى الشجرة التي تُغرس بجوارها شجرة أخرى. وقد وُرد ذكر الشجرة في القرآن والتوراة والإنجيل، وصُورت أيضًا في المخطوطات المصرية القديمة.
التعرف على شجرة التين وأنواعها
تتميز شجرة التين بأوراقها الكبيرة الخشنة وجذعها القوي الذي يتفرع إلى فروع كثيفة. تحمل هذه الشجرة ثمارًا متنوعة الأشكال والألوان، تختلف باختلاف الصنف. من أشهر أنواع التين:
- التين الشوكي: يتميز بوجود أشواك على أوراقه وثماره، ومذاقه حلو ولذيذ.
- التين البلدي: يعتبر من أقدم الأصناف، ويتميز بثماره الصغيرة الحجم ولونها الأسود الداكن عند النضج.
- التين السكري: يتميز بحلاوة مذاقه وحجمه الكبير، ويستخدم في صناعة المربى والعصائر.
طرق تكاثر شجرة التين
يمكن تكاثر شجرة التين بعدة طرق:
- التفسيل (Bouturage): يتم بفصل الفسائل من الأشجار خلال فترة الإثمار وزراعتها في صفوف متباعدة، ثم نقل الشتلات بعد سنة أو سنتين، ويفضل أن يتم ذلك بين شهري يناير ومارس.
- الترقيد (Marcottage): تعتمد هذه الطريقة على دفن فرع جانبي قريب من التربة بعد تجريده من الأوراق، ويتم سقي الفرع حتى تتكون الجذور، ثم يفصل عن النبات الأم ليكون نباتًا جديدًا.
- الإكثار بالخلف (Régénération): تستخدم لتجديد الشجرة الأم باختيار 3 إلى 4 من الخلف، وعندما يبلغ طولها متر ونصف يتم الإبقاء على واحد فقط، مما يضمن الحصول على شجيرات قوية بفضل استفادتها من تغذية الشجرة الأم.
- التطعيم (Greffage): نظرا لوجود الخلف بصفة متواصلة فإن عملية التطعيم لا تعطي أكلها بالنسبة لشجر التين إلا في حالة واحدة وهي إذا ما رغب الفلاح في الحفاظ على شجرة التين وذلك قوتها وأراد في الآن نفسه التحسين من جودة الثمار ويتحتم في هذه الحالة القضاء على كل الخلف والحفاظ على غصن واحد .

المتطلبات الميدانية و المناخية لشجرة التين
الحرارة والرطوبة
تُعتبر شجرة التين من الأنواع الأكثر تكيفًا مع المناخ المتوسطي، حيث تنمو في المناطق ذات الرطوبة المنخفضة والمشمسة، مع صيف حار وجاف. تُعتبر درجات الحرارة بين 32 و37 درجة مئوية هي الأنسب لنمو الثمار ونضجها، بينما يمكن أن يؤدي تجاوز الحرارة 42 درجة إلى تصلب الثمار وتلفها. كما أن سقوط الأمطار في أجواء باردة قد يتسبب في تشقق الثمار وتعفنها. يُلاحظ أن الثمار في المناطق الساحلية تكون أكبر حجمًا مقارنة بالمناطق الداخلية، بسبب توافر الرطوبة الجوية.
على الرغم من أن شجرة التين تصنف ضمن الأشجار النفضية التي تسقط أوراقها في الخريف، إلا أنها تتأثر سلبًا بالحرارة الباردة جدًا، حيث يمكن لدرجات الحرارة بين 7 و10 درجات مئوية أن تُدمر الغطاء النباتي، فيما تُدمر الجذور عند بلوغ درجات الحرارة 17 درجة مئوية. ومع ذلك، فإن الشجرة تنبعث من جديد خلال فصل الربيع التالي.
التربة
تفضل شجرة التين التربة الكلسية الغنية مع رطوبة كافية، لكنها تتأقلم مع أنواع متعددة من التربة، بما في ذلك التربة الطينية والرملية، بفضل جذورها المتفرعة والوفيرة. ومع ذلك، لا تتحمل الشجرة ارتفاع نسبة الصوديوم والبور في التربة.
الماء
تعتبر شجرة التين من أكثر الأشجار المثمرة تحملًا للعطش ومقاومة للجفاف، نظرًا لقدرتها على امتصاص الرطوبة من التربة حتى في حال كانت نسبتها منخفضة، وذلك بفضل جهازها الجذري الكثيف والمتفرع. ومع ذلك، تُظهر الشجرة تجاوبًا إيجابيًا مع الري المنتظم، مما يُعزز سرعة نموها، ويُبكر في دخولها مرحلة الإثمار، ويحسن من كمية ونوعية المحصول.
زراعة الشتلات:
تزرع الشتلات في حفر مناسبة الحجم، مع الحرص على تغطية الجذور بالتربة جيدًا.
التسميد لأشجار التين:
- لا تحتاج شجرة التين إلى تسميد غزير، خاصة السماد الأزوتي، حيث أن زيادته تحفز النمو الخضري على حساب إنتاج الثمار.
- يوصي المعهد الوطني للبحث الزراعي باستخدام معدلات محددة من السماد (NPK) حسب نوع التربة (متزنة أو مسقية).
- يجب أن يتم تحديد كمية ونوع السماد بناءً على تحاليل التربة والأوراق لتحديد نسبة العناصر المخصبة.
- يعتبر التسميد الجيد والمدروس شرطًا أساسيًا لضمان الحصول على إنتاج عالي الجودة من التين.
زراعة التين والموقع المثالي
اختيار مكان الغرس
يتم اختيار مكان الغرس بناء على الظروف المناخية ونوع التربة. ويجب الحرص على أن تكون خالية من المسببات المرضية والنيماتودا بشكل خاص. ثم تجهز أرض البستان جيدا وذلك بحرثها مرتين متعامدتين، بعدها تسوى وتخطط حسب التصميم المحدد مع مراعاة ترك ممرات للخدمة .
الغرس
بعد تحديد أماكن الغرس يتم حفر الحفر بضعة أسابيع قبل الغرس بأبعاد 50 * 50 * 50 سم طولا و عرضا و عمقا ويوضع تراب السطح من جهة وتراب القاع من جهة أخرى. كما تختلف الكثافة حسب نوع التربة وتضاريس الأرض، والصنف ومستوى التساقطات وإمكانية السقي .
وتتراوح الكثافة المعتمدة بين 250 و 400 شجرة في الهكتار.
تقليم شجرة التين
يهدف تقليم شجرة التين إلى تحقيق عدة أهداف رئيسية:
الحد من الأمراض:نظرًا لطبيعة عود شجرة التين الأجوف، يجب إجراء التقليم في فصل الربيع أثناء صعود العصارة، مع ضرورة طلاء الصمغ بعد القطع للحد من الإصابة بالأمراض.
خلق التوازن:يهدف إلى تحقيق توازن بين الأغصان واستبدال الفروع التالفة، مع إمكانية تشكيل الشجرة على هيئة كأس.
إزالة الفروع الضارة:التخلص من الفروع المريضة، المكسورة، أو الزائدة لتحسين التهوية واستفادة الأوراق من أشعة الشمس.

الوقاية من الآفات
الوقاية من الأمراض والآفات التي تصيب شجرة التين، وهي كالتالي:
أسباب أخرى لاصفرار الأوراق:قد لا يكون اصفرار الأوراق أو تحولها للون البني وسقوطها ناتجًا دائمًا عن الأمراض، بل قد يكون بسبب مشاكل فسيولوجية مثل نقص أو زيادة الماء أو اختلال التوازن المعدني.
الآفات الحشرية:تشمل حفار التين (Les scolytes Hypoborus ficus) الذي يحفر خنادق في الأشجار الضعيفة، ودبابة التين أو الدبابة السوداء (la mouche de figue) التي تضع بيضها داخل الفاكهة وتتسبب اليرقات في تعفنها وتساقطها، والقرمز (Cochenille virgule et globuleuse) الذي يتغذى على العصارة ويفرز مادة سكرية تجذب النمل وتسبب الفوماجين (la fumagine) الذي يؤثر على عملية التركيب الضوئي.
الأمراض الفطرية:مثل الطن الأسود الذي ينتشر في المناطق الساحلية والقريبة من الأودية ذات الرطوبة العالية.
المكافحة والعلاج:يمكن مكافحة بعض الآفات بالمبيدات الحشرية، ويجب تشذيب الأغصان وجمع الأوراق المتساقطة وحرقها ورش الأشجار بمبيد يحتوي على النحاس لمكافحة الطن الأسود.
حصاد وتخزين ثمار التين
عملية جني وتثمين ثمار التين، وتوضح النقاط الأساسية التالية:
مدة التجفيف:يجب ألا تتعدى المدة الفاصلة بين الجني وبدء عملية التجفيف 24 ساعة لضمان جودة الثمار المخصصة للتجفيف.
الإنتاج والنضج:تبدأ أشجار التين في الإنتاج بعد 3 سنوات، وتصل ذروة الإنتاج من السنة السادسة، مع اختلاف الكمية بين المناطق البورية والمسقية. يبدأ الجني من منتصف يونيو في المناطق المبكرة، ويمتد حتى بداية يوليو في المناطق المتأخرة.
حساسية الثمار والجني:تتطلب ثمار التين الحساسة عناية خاصة عند الجني، حيث يفضل قطفها في الصباح الباكر بعد زوال الندى، ونقلها مباشرة إلى نقاط البيع أو التجفيف.
جني التين الطازج والمجفف:يجب قطف التين الطازج بعد النضج المناسب، مع مراعاة عدم خدش الثمار وارتداء قفازات. أما لإنتاج التين المجفف، فيمكن تركه ليسقط من تلقاء نفسه أو قطفه عند النضج ونشره تحت أشعة الشمس.
استخدامات التين
تستخدم ثمار التين في العديد من الأغراض، منها:
- الأكل الطازج: يتميز التين بمذاقه اللذيذ ويمكن تناوله طازجًا.
- صناعة المربى والعصائر: يدخل التين في صناعة العديد من المنتجات الغذائية.
- الاستخدامات الطبية: يحتوي التين على العديد من العناصر الغذائية التي تفيد الصحة.
اقرأ ايضا : تأثير الذكاء الصناعي في تطوير الزراعة
الخاتمة
تعتبر زراعة شجرة التين تجربة ممتعة ومثمرة، حيث يمكنك الاستمتاع بثمارها اللذيذة والاستفادة من فوائدها الصحية. باتباع النصائح الواردة في هذا المقال، يمكنك زراعة شجرة تين صحية ومثمرة في حديقتك.
باتباع هذه النصائح، ستضمن شجرة التين لديك نموًا مزدهرًا وثمارًا وفيرة. دع شجرتك تحكي قصة العناية والاهتمام التي توليها لها، واستمتع بالمذاق الرائع لثمار التين الطازجة!
